بسام درويش / Oct 29, 2001

نشرت جريدة الوطن التي تصدر في كاليفورنيا في عددها 352 مقالاً لكاتبه (صائب البارودي* من واشنطن) بعنوان "نصارى العرب أشرف من الأنظمة!" جاء فيه:

قال الشيخ غيث ـ الكويتي الأصل ـ والمحسوب على أنصار بن لادن المقربين: «إننا نعلنها حرباً على النصارى واليهود». وأضاف: «إن النصارى واليهود يشنون حرباً لا هوادة فيها على الاسلام والمسلمين في العالم!»

ولا بد أن نطرح عليه سؤالاً بسيطاً، هل يعلم أن من العرب عدداً كبيراً من النصارى، وأنهم في معظمهم أشد المحاربين والمناضلين ضد العنصرية الصهيونية، والكيان الصهيوني، والسياسة الأمريكية في مختلف أصقاع الأرض، وضد التأييد الغربي عامة، والأمريكي خاصة، للصهيونية، على حساب المصلحة العربية القومية. فالغرب، في مجمله، هو الذي أقام الكيان الصهيوني، بعد انتزاع الأرض العربية، من المسلمين والنصارى معاً، رغم أن الغرب من ناحية دينية، يجب أن يكون حرباً على الصهيونية. فبين المسيحيين واليهود خلاف قديم جداً يرجع إلى ما قبل الإسلام، ومنذ صلب المسيح، حسب المعتقد المسيحي!

ثم هل يعلم السيد غيث: أن مناضلين كباراً ضد الصهيونية، والغرب المنحاز إلى العدو هم من النصارى؟ وأن معظم الأجيال الحديثة من النصارى هم ضد ضرب طالبان، ويستنكرون الاتهام الذي وجهته الإدارة الأمريكية دون أن تقدم أدنى دليل على تورط هذا أو ذاك في أحداث 11 أيلول؟ ولا يجوز أن يقبل أي قضاء في العالم شهادة اثنين من ذيول واشنطن ـ فهما لا يستحقان تسمية شريكين ـ وهما حفيد بلفور، ومشرف، الذي يستنكر كل شعب باكستان خضوعه المطلق للإله الجديد للعالم؟

*************

كان ذلك جزءاً من مقال السيد "البارودي" اكتفينا به إذ أنّ ما تبقى منه لم يكن إلا جعجعة صعب علينا أن نفهم القصد منها أو المقصود بها.

إننا إذا بحثنا عن عبارة صادقة، واحدة على الأقل، في حديث "البارودي" هذا، فهي تلك العبارة التي جاء بها عنواناً لمقاله والتي قال فيها، "نصارى العرب أشرف من الأنظمة!" عدا ذلك فلم يكن ما تبقى من حديثه إلا كذباً في كذب. كذباً على الإسلام والمسلمين، وكذباً على المسيحية والمسيحيين، لا بل قد بلغ به الكذب حدّ انتحال استعمال اسمٍ غير اسمه الحقيقي. وعلى أيّ حال، فإن "نصارى العرب" ليسوا في الحقيقة بحاجة إلى شهادة حسن أخلاق، لا من "البارودي"، ولا من غيره.

المسيحيون العرب لا حاجة لهم إلى من يشهد على وطنيتهم وشرفهم. وللحق نُضيف، إن الأقليات الدينية والعرقية بشكل عام، سواء كانت درزية أو علوية أو شركسية أو أرمنية، أثبتت صدق وطنيتها وعظيم ولائها في كون أبنائها سبّاقين لحمل السلاح والكفاح من أجل الاستقلال وفي كل المعارك والحروب بعد الاستقلال، وذلك رغم ما تحملوه على مدى الأزمنة من ظلم واضطهاد الأكثرية السنية المسلمة. 

يقول "البارودي!" أنّ "معظم الأجيال الحديثة من النصارى هم ضد ضرب طالبان،" وأنهم، "يستنكرون الاتهام الذي وجهته الإدارة الأمريكية دون أن تقدم أدنى دليل على تورط هذا أو ذاك في أحداث 11 أيلول؟" وكنا نتمنّى لو أن هذا "البارودي" قد أخبرنا شيئاً عن المصدر الإحصائي الذي استقى منه معلوماته. أي مسيحيين يتحدث عنهم، وهل هناك مؤسسة إحصائية عربية أو إسلامية اعتمد عليها ليصل إلى هذا الاستنتاج.. أم تراه راح يزور المسيحيين في بيوتهم وكنائسهم يسألهم عن رأيهم في ضرب أميركا لطالبان؟

هل يُصدِّق أحد أن المسيحيين الذين ذاقوا على مدى العصور أمرّ العذاب من المسلمين يمكن أن يتعاطفوا مع أكره وجوه التعصب وأسوأ نظام حكم إسلامي أنجبه التاريخ المعاصر؟ لا بل هل  يصدِّق أحد أن هناك إنسان على وجه الأرض كلها يتعاطف مع هؤلاء القردة الذين يعدمون النساء في الملاعب الرياضية، ويغتصبون الأطفال، ويروّعون الأبرياء، ويسرقون لقمة الفقراء من مراكز توزيع الغذاء التابعة للأمم المتحدة أو غيرها من مراكز الإغاثة؟.. هل يصدق أحد أن يتعاطف المسيحيون مع هؤلاء المتعصبين البغيضين وهم يرونهم يمسكون بالإنجيل بأطراف أصابعهم يلوحون به للصحفيين كدليل إثبات على جريمة موظفات الإغاثة اللواتي اعتقلن بتهمة التبشير؟..

**********

يحاول "البارودي" البرهان على متانة علاقة المسيحيين مع المسلمين بالحديث عما سماه  خلاف قديم بين المسيحيين واليهود يرجع إلى ما قبل الإسلام، ومنذ صلب المسيح، حسب المعتقد المسيحي!"، فما هو الأمر الذي يحاول هذا الرجل إثباته؟..

إن التاريخ يحفل بقصص الخلافات بين الأمم وأتباع الديانات بعضها مع بعض. وخلاف المسيحيين لم يكن مع اليهود فقط. المسيحيون اختلفوا مع مسيحيين وخلافهم فيما بينهم هو أيضاً قديم، لا بل أن بعضه لا زال قائماً. والمسيحيون اختلفوا مع المسلمين، لا بل أن خلافهم معهم لا زال كله قائماً. لكن ما جهله "البارودي" أو تجاهله هو أن خلاف المسيحيين مع أي من بني البشر، لم يكن في يوم من الأيام خلافاً بين المسيحية وأتباع ديانات أخرى، بل خلافاً بين "مسيحيين" وآخرين سواء كان الآخرون مسيحيين أو غير مسيحيين. إنه خلاف زائل يزول بزوال العقليّة التي أدّت إليه إذ ليس لَهُ في تعاليم المسيحية أي أساس على الإطلاق. وهكذا، فحين يعتذر المسيحيون لليهود اليوم مثلاً عما لحقهم من ظلم الأسلاف المسيحيين فإن اعتذارهم لا يتعارض مع مبادئهم التي يؤمنون بها، لا بل إن ذلك لَيَعكسُ حقاً ما يؤمنون به من مبادئ تشجعهم على التفهّم والتسامح. الأمر نفسه ينطبق على خلافهم مع أخوتهم من المسيحيين. تعاليم المسيحية ليس فيها ما يدعو إلى معاداة أي شعب أو أتباع دين في العالم كله. والمسيحية لا تعلّم أتباعها أن يقاتلوا من أجل نشرها. 

أما خلاف المسلمين مع اليهود والمسيحيين وغيرهم من شعوب العالم فهو خلاف من نوع آخر. إنه خلاف يخضع لقوانين ثابتة لا تساهل فيها. خلافٌ أصولُه راسخةٌ في قلب كل مسلم يؤمن بأن القرآن كتاب إلهي. فالقرآن صريح في دعوته لقتال كل من هو ليس بمسلم إلى أن يؤمن بالإسلام أو أن يدفع ضريبة بقائه حياً.

 

إنَّ قصدَ هذا الكاتب المتخفّي وراء اسم "صائب البارودي" من التذكير "بخلاف قديم للمسيحيين مع اليهود" لا يمكن أن يخفى على أحد وخاصة على من يعرف أفكاره وأسلوبه من خلال كتاباته التي كان يكتبها باسمه الحقيقي. قصده هو أن يقول للقارئ أن الإسلام ليس وحده في معاداته لليهود إذ يشاركه في هذا العداء المسيحيون الناقمون على اليهود لصلبهم المسيح. ولكن هل هذا الرجل ليس بخادعٍ أحداً إلا نفسه. إنه يعرف تماماً أن ليس هناك من دين على وجه الأرض يأمر أتباعه بقتال الآخرين لإجبارهم على اتّباعه سوى الإسلام.

"عرب النصارى" شرفاء ووطنيون، هذا لا ريب فيه. عرب النصارى لم يتأخروا عن حمل السلاح والدفاع عن بلادهم في كل الحروب التي خاضها الحكام العرب مع إسرائيل.. هذا أمر أيضاً لا ريب فيه. ولكنهم لم يحملوا السلاح ضد إسرائيل لأن اليهود صلبوا المسيح. لم يحملوا السلاح استجابة لدعوة القرآن لقتال اليهود. وهم بالتأكيد، لن يحملوا السلاح ضد الإسرائيليين إكراماً لعيون "البارودي" أو غيره من المسلمين. إنهم يحملون السلاح كواجب وطني فقط وكمواطنين شرفاء أولياء لبلدهم حتى مهما كان بلغ سوءُ حكامهم وظلمُهم.

 

هنا وفي خاتمة هذا الرد يحلو لنا أن نسأل "البارودي" السؤال التالي: كيف يتوقع وهو المسلم أن يستجيب الغرب المسيحي لدعوته بمحاربة اليهود في خندق واحد مع المسلمين، وكيف يأمن المسلمون لهم؟.. ألم يُحذِّر الله المسلمين من اتخاذ صديق من المسيحيين أو اليهود حيث قال فيهم بأن "بعضهم أولياء بعض ومن يتولاَّهم منكم فإنه منهم"؟ أم حقاً أن "القرآن حمّالُ أوجهٍ" كما قال الإمام علي بن أبي طالب حين قامت فتنة صفين والخوارج؟

*********

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط